ابن حزم

27

رسائل ابن حزم الأندلسي

خصومه ، وإنما يأخذ كل ما يأخذه عن القرآن والسنة ، وإذا كان لا يحتج برأي واحد دون الرسول ولا يقلده فليس معنى ذلك أنه يعيبه ويزري عليه . إنما يطعن على الصحابة من ترك جميع ما قالوه إلا ما كان موافقاً لإمامه الذي يقلده . أما اتهامه بأنه يحث أصحابه على تقليده فإنها تدل على غفلة قائلها ، إذ لا يصح لامرئ ينهى عن التقليد جملة وتفصيلاً ، أن يفتح الباب على نفسه فيدعو الأصحاب لتقليده ، فمثل ذلك تناقض لا يقع فيه شخص له أدنى حظ من الذكاء . من الواضح أن توجيه هذه التهمة لابن حزم إنما كان يمليه التناحر المذهبي ، ومحاولة الغض من الخصم بكل وسيلة ممكنة ، وتشويه موقفه لإسكاته ، وعلى ذلك فإن هذه التهمة الباطلة ظلت تلصق بابن حزم ، حتى لقد رددها بعض الباحثين في العصر الحديث ، دون أن يفقه مدى الشنعة فيها . ولو قال قائل انه يستعمل عبارة فجة خشنة - كما قال الذهبي ( 1 ) - لكان أقرب إلى الواقع ، ولكن شتان بين ذلك وبين الوقيعة والطعن . ( 2 ) وأما التهمة الثانية فهي ان تورط ابن حزم في إنكار الرأي والقياس والقول بالتقليد أو إن شئت فقل بلسان الخصوم : إن خروجه على مذهب مالك وغيره إنما كان بسبب تعويله على كتب الأوائل والدهرية وأصحاب المنطق وكتاب أقليدس والمجسطي وغيرهم من الملحدين . وهذه التهمة أضعف من التي قبلها والرد عليها أسهل ولذلك واجهها ابن حزم بقوله : أخبرنا عن هذه الكتب من المنطق وأقليدس والمجسطي ، أطالعتها أيها الهاذر أم لم تطالعها فإن كنت طالعتها فلم تنكر على من طالعها كما طالعتها أنت وهل أنكرت ذلك على نفسك ، وأخبرنا ما الإلحاد الذي وجدت فيها وإن كنت لم تطالعها فكيف تنكر ما لا تعرف والحقيقة التي تشف عنها هذه التهمة هي الجهل المطبق لدى ذلك الهاتف ، فإن من يزج بكتاب أقليدس في مبادئ الهندسة مع كتب الملحدين والدهرية إنما يكشف عوار نفسه ومبلغ جهله . ومسألة أخرى أهم من هذه جميعاً فاتت جميع الذين هاجموا ابن حزم وهي أن اطلاعه على هذه الكتب كان يجب أن يقوي لديه الميل إلى الأخذ بالرأي والقياس ،

--> ( 1 ) تذكرة الحفاظ : 1154 .